حين يُستهلك عطاؤك ويُنسى فضلك
نبض الحروف: عادلة عادل
هناك أشخاص لا يتقنون سوى استهلاك طاقة الآخرين. يأخذون الوقت والجهد والفكر، ويعتبرون كل ما تقدمه لهم واجبًا لا يستحق حتى كلمة “شكرًا”. ينسون أن الامتنان خُلُق، وأن الاعتراف بالجميل لا يُنقص من قدر أحد، بل يرفعه.
ليس مؤلمًا أن تبذل، فالعطاء من شيم الكرام، ولكن المؤلم أن ترى من يعتاد الأخذ حتى يصبح جحوده عادة، ويقابل إخلاصك بالتجاهل، وتضحياتك بالصمت، وكأن ما قدمته لم يكن له وجود.
إن أسوأ ما في بعض البشر أنهم لا يرون حجم التضحيات إلا بعد أن يفقدوا أصحابها. يعيشون على جهود غيرهم، ثم إذا انتهت المصلحة، تملصوا من الوفاء، وتناسوا المعروف، وكأن الذاكرة لا تحفظ إلا ما يخدم مصالحهم. أولئك لا يسيئون إليك بقدر ما يكشفون عن فقر أخلاقهم.
ومع ذلك، يبقى أصحاب القلوب الصافية مختلفين. لا ينتظرون المقابل، ولا يجعلون الشكر شرطًا للعطاء، لأن قيمهم أكبر من تصرفات الآخرين. نعم، قد يتألمون، وقد تخيب آمالهم، لكنهم لا يسمحون للخذلان أن يغير نقاء أرواحهم.
صفاء القلب ليس ضعفًا، بل قوة. هو الذي يجعلنا نستمر، ونتقدم، وننجز، بينما يظل المتملصون من الوفاء عالقين في دائرة الأنانية والجحود. فالتاريخ لا يخلد من أخذ، بل يخلد من أعطى، ولا يحترم من أنكر الجميل، بل يرفع من كان وفيًا وعرف قيمة الناس.
وفي النهاية، لا تأسف على خير قدمته، ولا على يد امتدت بالعون. فالأجر عند الله لا يضيع، والناس وإن نسوا المعروف، فإن الله لا ينساه. وسيبقى أصحاب القلوب النقية يمضون بثبات، تاركين خلفهم أثرًا جميلًا، بينما يظل الجاحدون أسرى ضيق نفوسهم.
فالوفاء عملة نادرة، أما صفاء القلب فهو الثروة التي لا تنفد.
