كادوقلي… حين ينتصر الصمود
نبض الحروف: عادلة عادل
لم يكن فك حصار كادوقلي مجرد حدث عسكري عابر، بل كان لحظة فارقة في وجدان وطن أنهكته الحرب وأثقلته الجراح. كادوقلي، المدينة التي ظلت لسنوات عنواناً للصمود والتحدي في قلب جبال النوبة، كتبت فصلاً جديداً من تاريخها، حين تنفّس أهلها الصعداء بعد أيام وليالٍ من القلق والترقب.
الحصار لا يعني فقط إغلاق الطرق ومنع الإمدادات، بل هو اختبار قاسٍ لقدرة الناس على الاحتمال. هو امتحان للإرادة قبل أن يكون معركة على الأرض. في كادوقلي، واجه المواطنون شحّ الإمدادات، وقلق الأسر، وتوقف سبل الحياة الطبيعية. ومع ذلك، لم تنكسر المدينة، ولم تُطفأ جذوة الأمل في عيون أهلها.
فك الحصار أعاد شريان الحياة إلى المدينة. عادت الحركة إلى الأسواق، وانفرجت أسارير الأمهات، واستعاد الأطفال شيئاً من أمانهم المسلوب. هو انتصار للإنسان البسيط قبل أن يكون إنجازاً عسكرياً، لأن أعظم الانتصارات تلك التي تعيد للناس حقهم في الحياة الكريمة.
لكن، وبينما نحتفي بهذه اللحظة، علينا ألا نغفل الدرس الأهم: أن المدن لا يجب أن تكون ساحات صراع دائم، وأن المواطن لا ينبغي أن يكون رهينة لمعادلات السلاح. السودان اليوم في حاجة ماسة إلى صوت الحكمة، وإلى إرادة سياسية تضع حدًا لدائرة الحصار والاقتتال، وتفتح أبواب الحوار بدلاً من نوافذ المدافع.
كادوقلي قالت كلمتها… قالت إن الصمود ممكن، وإن إرادة الحياة أقوى من كل حصار. ويبقى السؤال: هل نتعلم من هذه التجربة لنصنع سلاماً دائماً، أم نترك المدن تنتظر حصاراً جديداً؟
إن كان فك الحصار بداية، فليكن بداية لطريق أطول… طريق يفضي إلى وطن آمن، لا تُحاصر فيه المدن، ولا يُختبر فيه صبر الناس كل يوم.
