من خنادق الاحتجاج إلى صفوف الدولة: معركة الكرامة وإعادة تعريف الاصطفاف الوطني

IMG-20260221-WA0031

نبض الحروف: عادلة عادل

 

 

في الأزمنة التي تُقاس فيها الأوطان بصلابة رجالها، وتتعرّى المواقف من كل زيف، لا يبقى في الصفوف الأمامية إلا من اختار الانحياز للوطن حين ضاقت السبل واشتدّ الخطر. هناك، حيث تسقط الحسابات الصغيرة وتتقدّم الأسئلة المصيرية، وُلدت “معركة الكرامة” بوصفها فاصلاً حادًا في التاريخ السوداني الحديث؛ معركة لم تكن مجرد تبادل نار، بل امتحانًا للإرادة، وإعلانًا صريحًا بأن الدولة خطٌ أحمر.

 

في تلك الأجواء المشحونة بمعاني الثبات، احتضنت دار الموانئ ببورتسودان أمسية نظّمتها مؤسسة الميثاق للإنتاج الإعلامي، بحضور عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق صلاح رصاص، وأدارها الأستاذ السر القصاص. لم يكن المشهد عاديًا؛ ظهر رصاص بزيه الكاكي، في رسالة واضحة أن زمن الحياد انتهى، وأن الميدان هو عنوان المرحلة.

 

تحدث بصوت هادئ، لكن كلماته حملت ثقل التجربة وقسوة التحولات. قدّم نفسه رئيسًا لحركة جيش تحرير السودان – المجلس الانتقالي، مستعيدًا البدايات الأولى في شرق جبل مرة، حيث تشكّلت بذور الحراك المسلح في سياق سياسي وأمني مضطرب. قال إن المعارضة آنذاك لم تكن نزوة، بل تعبيرًا عن اختلالات عميقة رأت الحركة أنها تهدد توازن الدولة.

 

أشار إلى أن دارفور لم تكن يومًا على هامش الفعل الوطني، بل كانت دائمًا في قلب المعادلة، بين الاحتجاج والسلاح. ورغم انتمائه لأسرة تعليم، ترك الفصل الدراسي واختار البندقية حين انسدت، بحسب روايته، سبل الإصلاح. وأكد أن السلاح لم يكن هدفًا في ذاته، بل وسيلة ضغط لفرض تسوية سياسية عادلة، معتبرًا أن اتفاق جوبا للسلام شكّل محطة مفصلية في التحول من منطق المواجهة إلى منطق الشراكة.

 

غير أن اللحظة الأخطر – كما وصفها – جاءت مع اندلاع الحرب الأخيرة. عندها، قال إنه أدرك أن المسألة لم تعد خلافًا سياسيًا، بل تهديدًا مباشرًا لكيان الدولة. فكان قراره بالانحياز الكامل للقوات المسلحة، والمشاركة في معركة الدفاع عن مؤسسات البلاد دون تردد. وأشاد بصمود الجيش في وجه الهجمات التي استهدفت القيادة العامة، معتبرًا أن ما جرى لم يكن صراعًا داخليًا فحسب، بل محاولة منظمة لزعزعة استقرار السودان.

 

وكشف عن لقاء سابق جمعه بمحمد حمدان دقلو “حميدتي” خلال تمرده الأول في جنوب دارفور، موضحًا أنه طُرحت عليه آنذاك مقترحات تضمنت تنفيذ عمليات في مناطق مأهولة واستهداف بنوك، لكنه قال إنه رفضها قاطعًا، انطلاقًا من قناعة ترفض المساس بالمدنيين أو الانخراط في النهب والانتهاكات.

 

وعن دوره داخل مجلس السيادة، شدّد على أن العمل يتم بروح جماعية قائمة على التشاور ووحدة القرار، لأن المسؤولية تتعلق بإدارة دولة في ظرف استثنائي، لا بتصفية حسابات سياسية. أما قلة ظهوره الإعلامي، فاعتبرها خيارًا واعيًا، مؤكدًا أن النتائج تُصنع بالفعل لا بالتصريحات.

 

ولم يحصر حديثه في ساحة القتال، بل وسّع المعركة لتشمل جبهات أخطر: خطاب الكراهية الذي يهدد النسيج الاجتماعي، وانتشار المخدرات بين الشباب، والتراجع في قطاع التعليم. وقال إن الرصاصة قد تُصيب جسدًا، لكن الكراهية تفتك بأمة، وإن النصر الحقيقي يبدأ من توحيد الصف الوطني. وختم بالتأكيد على أن التعليم هو السلاح الأنجع لبناء السلام الدائم، وأن الاستثمار في العقول هو الطريق الوحيد لضمان مستقبل السودان.

 

هكذا بدت الأمسية أكثر من مجرد لقاء إعلامي؛ كانت شهادة على مسار رجل تنقّل بين ضفتي الصراع، من حمل السلاح احتجاجًا إلى حمله دفاعًا عن الدولة، ثم إلى الدعوة لبناء الإنسان كأولوية مطلقة. وبين هدير الميدان وصمت المدارس، يبقى الوطن – كما أراد أن يؤكد – هو البوصلة، وتبقى “معركة الكرامة” عنوان مرحلة أعادت رسم خطوط الاصطفاف وأكدت أن السودان، مهما اشتدت عليه العواصف، قادر على إعادة تعريف نفسه من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *