خزلان
غيبوبة حب: رشا يحيى صالح
الخزلان هو ذاك الألم الذي لا يخرج بصوت عالٍ لكنه يتسلل إلى القلب ببطء ليترك ندوبًا غير مرئية ندوب لا يستطيع أحد رؤيتها إلا صاحبها هو أن تحاول الاتكاء على أحدهم تضع فيه كل آمالك وتستند إلى كلماته ثم فجأة تجد نفسك تسقط في الفراغ لتكتشف متأخرًا أنك كنت متكئًا على جدار آيل للسقوط وهنا تتجسد فظاعة الثقة التي وضعتها في مكانٍ غير آمن.
الخزلان هو أن تفتح قلبك لشخصٍ ما تعطيه مفاتيح روحك تجعله شاهدًا على أعمق أسرارك ثم تكتشف أن هذا الشخص قد باع هذه المفاتيح في أسواق العدو فتجد كل ما كان ملكًا لك كل تلك اللحظات الحميمة قد أصبحت سلعة يتداولها الآخرون من خلف ظهرك وفي هذه اللحظة تدرك أن الثقة التي منحتها كانت أشبه بزجاجة رقيقة تنكسر بمجرد أن تسقط على أرض الواقع القاسي
الخزلان هو أن تؤمن أن من معك في الرحلة، ذلك الشخص الذي كنت تعتقد أنه لن يتركك في ظلمات الحياة ولا يركلك بعيدًا عن النور هو نفسه من يتركك في منتصف الطريق تكتشف أن ما بنيته من قلبٍ عاطفة من جسرٍ من الثقة والأمل قد سقط تحت وطأة أفعاله هو لم يكن هو السند الذي كنت تتخيله بل أصبح هو من ينسف كل الجهود التي بذلتها ليجعل منك إنسانًا فاقد الأمل دون أن يشعر بأي تأنيب ضمير الخزلان هو أن تعطي نفسك طوال العمر أن تبذل كل ما تملك من حب من جهد من اهتمام لأسعاد الآخرين لكن في لحظة مصيرية تجد نفسك وحيدًا تنهار الأرض تحت قدميك وتتكسر الأحلام التي بنيتها معهم وفي الوقت الذي كنت تأمل فيه أن يمدوا لك يد العون تجدهم غير موجودين لا أحد بجانبك في الساعات الصعبة حينها تصبح العزلة أكثر مرارة من أي خذلان آخر هنا يصبح الكفر بالثقة أمرًا مفروضًا عليك كأنك قد أُجبرت على حمل جرحٍ داخلي عميق بسبب ما اكتشفته من خيانة ولأن الخزلان ليس له شكل واحد يمكن أن يكون له ألوانٌ متعددة أحيانًا يكون لونه أسود داكنًا كالليل الذي لا ترى فيه أي بصيص نور وأحيانًا أخرى يكون لونه أبيض كاذب يظهر للآخرين في صورة معاملة حسنة وأفعال تدل على عكس ما يختبئ في الأعماق طعمه مرٌ ورائحته قد تظل عالقة في الذاكرة مهما طال الزمن
الخزلان هو أن تحاول بناء أشياء جميلة لنفسك أن تنجب أفكارًا وآمالًا من رحم المجهول كي تكون لك عكازًا عندما يركن الزمن عليك لكنك عندما تبدأ في الاعتماد على هذه العكازات تجدها مشروخة هشة عاجزة عن تحملك وتدرك حينها أنك لم تحسن نحت هذه العكازات وأنها كانت مجرد سراب أما المدينة الكبرى التي يسكنها الخزلان فهي ليست مجرد مكان بل هي حالة ذهنية هي تلك المدينة الداخلية التي يختبئ فيها كل من خذلوك كل من خيبوا ظنونك مدن الدواخل كثيرة وكل مدينة منها لها شوارع وأزقة وذكريات لكن المدينة الأكبر هي مدينة الخزلان لأنها تجمع فيها كل من تجرعنا منهم ألمًا وخيبة وتلك هي المدينة التي لا يمكن الهروب منها بسهولة إذا شعرت بالخزلان تذكر أنه في تلك اللحظة التي تواجه فيها خيبة أمل ما عليك إلا أن توضح قلبك بمياه الإيمان فصلِّ شكرًا لله على أنك اكتشفت حقيقة من كنت تظنه قريبًا ولو بعد حين ربما هو درس في الحياة أن كل من يدخل قلبك لا يستحق الإقامة الدائمة إن العكاز الذي تبنيه قد لا يكون إلا وهمًا والشخص الذي تعتمد عليه قد لا يكون إلا سرابًا لذا تعلم أن لا تعمق العلاقة مع أحد إلا بعد أن تتحقق من أنه يستحق أن يحمل أمانتك وأن يظل وفيا لثقتك
الخزلان هو فعلٌ له طعم مر لكنه أيضًا درس عميق في الحياة يعلمنا أن الثقة لا تعني أن نفتح أبوابنا لأي شخص بل يجب أن نعرف متى نغلق الأبواب ومتى نحتفظ بمفاتيح قلوبنا لأنفسنا فليس كل من وقف بجانبك كان يرغب في البقاء وفي بعض الأحيان الشخص الذي كان أقرب لك هو الذي سيتسبب في إحداث أسوأ الأوجاع في قلبك لكن هذا أيضًا قد يكون الطريق الذي نحتاجه للتعلم وفي النهاية تذكر أن الخذلان ليس نهاية العالم بل هو بداية لاستعادة قوتك وبناء جدرانك من جديد وبالرغم من أن الألم قاسٍ إلا أنه هو الذي يعيدنا إلى ذواتنا ويعلمنا كيف نختار من نثق بهم وكيف نمنح الحب والاحترام لأولئك الذين يستحقونه
