سرطان الثدي.. حين يكون الفحص المبكر هو الحياة
حوار مع الدكتورة مها عبدالله محمد الأمين
حاورتها: رانيا أبوالقاسم
بورتسودان :نون النسوة
في شهر أكتوبر، شهر التوعية بسرطان الثدي، تتجدد الأسئلة نفسها: لماذا تتأخر نساء كثيرات في طلب الفحص؟ وكيف نحوّل الوعي إلى سلوك؟ حول هذه القضايا الإنسانية والطبية حاورنا الدكتورة مها عبدالله محمد الأمين.
س/هل يمكن للخوف من تشخيص الإصابة بالسرطان أن يكون أخطر من المرض نفسه؟ وكيف نساعد المرأة على تجاوز هذا الخوف؟
ج/في حالات كثيرة، نعم. الخوف هنا يصنع ما أسميه “الصمت القاتل”. المرأة التي تلمس تغيراً في جسدها وتخشى مواجهة الحقيقة تؤجل الفحص أسابيع ثم أشهراً، وربما سنوات. والمرض لا ينتظر، فالتأجيل هو الخصم الحقيقي وليس السرطان وحده. حين يُكتشف الورم مبكراً تكون نسب الشفاء مرتفعة جداً، وتكون خيارات العلاج أبسط وأقل قسوة، وأحياناً يمكن الحفاظ على الثدي بجراحة محدودة. أما حين يتأخر التشخيص فيتعقد العلاج وتتضاعف كلفته الجسدية والنفسية والمادية.
ولتجاوز الخوف أبدأ بالمعرفة، فالمجهول أكثر رهبة من الحقيقة المفهومة. نشرح للمرأة أن الفحص خطوة حماية وليس حكماً مسبقاً، وأن أغلب الكتل التي تُكتشف في الثدي حميدة. ثم يأتي دور المحيطين بها. مرافقة الزوج أو الأم أو الأخت أو الصديقة إلى موعد الفحص قد تكون الفارق بين امرأة تذهب وأخرى تتراجع عند الباب. الخوف يضعف حين نتقاسمه، ويقوى حين تحمله المرأة وحدها.
س/ما العوامل التي تزيد خطر الإصابة بسرطان الثدي؟ وهل يمكن للمرأة أن تقلل خطرها فعلاً؟
ج/هناك عوامل لا نملك تغييرها، مثل التقدم في العمر، والتاريخ العائلي للإصابة، والطفرات الوراثية كالمعروفة بجينات BRCA، وبدء الدورة الشهرية في سن مبكرة أو تأخر انقطاعها. وهناك عوامل يمكن التأثير فيها، مثل زيادة الوزن بعد سن اليأس، وقلة الحركة، والإفراط في تناول الكحول، والاستخدام الطويل لبعض أنواع العلاج الهرموني.
وأحب هنا أن أصحح فهماً شائعاً: وجود تاريخ عائلي يرفع الخطر لكنه ليس شرطاً، فأغلب النساء المصابات لا يوجد في أسرهن مثل هذه الحالات. معنى ذلك أن كل امرأة معرضة للخطر، وأن غياب القصة العائلية لا يعني الأمان. وأما التقليل من الخطر فممكن بالمحافظة على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام، وتجنب الكحول، والرضاعة الطبيعية التي تمنح حماية نسبية. لكنني أقولها بوضوح: لا توجد وقاية مضمونة بنسبة مئة بالمئة، ولذلك يبقى الفحص المبكر خط الدفاع الأهم.
س/ ما أكثر الخرافات والمعتقدات الخاطئة عن سرطان الثدي التي تواجهينها في العيادة؟ وما الثمن الذي تدفعه النساء بسببها؟
ج/ أكثر ما أسمعه أن أي كتلة في الثدي تعني السرطان، فتخاف المرأة وتتجنب الفحص. والحقيقة أن أغلب الكتل حميدة، لكن الطبيبة وحدها هي التي تحسم ذلك. وفي المقابل تظن بعض النساء أن غياب الألم دليل على السلامة، وهذا خطأ خطير، فالورم في بدايته كثيراً ما يكون بلا ألم.
ومن الخرافات أن الصدمات والضربات تسبب السرطان، وأن مزيلات العرق وحمالات الصدر تسببه، ولا يوجد دليل علمي على ذلك. وأخطر ما أواجهه الاعتقاد بأن أخذ عينة من الورم أو إجراء الجراحة “ينشر المرض”، فتهرب المرأة من العلاج وتلجأ إلى وصفات بديلة، وتعود إلينا بعد أن يكون الوقت قد ضاع. وتحمّل بعض النساء المرض معاني اجتماعية أو غيبية ظالمة، فيجتمع عليهن الألم والصمت والشعور بالذنب. والثمن دائماً واحد: التأخير. لذلك فإن تصحيح هذه المفاهيم جزء أساسي من العلاج، وليس شأناً هامشياً.
س/ هل الرجال يصابون بسرطان الثدي؟
ج/ نعم، وهذه معلومة يجهلها كثيرون. الإصابة عند الرجال نادرة، وتشكل نحو واحد بالمئة من الحالات، لكنها موجودة وحقيقية. المشكلة أن الرجل لا يتوقع أن يصاب بهذا المرض، فيتجاهل الكتلة أو يشعر بالحرج من مراجعة الطبيب، فيتأخر التشخيص وتقل فرص العلاج.
س/ أبرز الأعراض والعلامات، فهي تشبه إلى حد كبير تلك التي تظهر لدى النساء، ما هي تلك الأعراض وما أبرزها؟
ج/ * وجود كتلة غالباً ما تكون صلبة وغير مؤلمة تحت حلمة الثدي أو الهالة المحيطة بها.
* ظهور جلد البرتقال.
* تقرحات في جلد الثدي أو الحلمة.
* انحناء أو ارتداد الحلمة للداخل (Inversion).
* إفرازات من الحلمة (قد تكون دموية أحياناً).
* تورّم أو تضخم في الغدد الليمفاوية تحت الإبط.
لذلك أوجه رسالة للرجال: أي كتلة أو تغير في منطقة الصدر أو الحلمة يستحق الفحص، ولا مجال للحرج حين يتعلق الأمر بالصحة. وعلى الرجل الذي في أسرته تاريخ إصابة بسرطان الثدي، أو الذي حُددت في عائلته طفرات وراثية معينة، أن يكون أكثر انتباهاً ويستشير الطبيب. ومعرفة الرجال بهذا المرض تنفع أيضاً في دعم نسائهم وبناتهم وأخواتهم.
س/ إذا كانت سرطانات الثدي صامتة في بدايتها، كيف على المرأة أن تسعى وسط مسؤوليات الحياة اليومية للإصغاء لجسدها واكتشاف التغيرات التي قد تتجاهلها؟
ج/ المرأة في مجتمعاتنا تحمل أدواراً كثيرة، فهي الأم والزوجة والموظفة وسند الأسرة، وكثيراً ما تضع نفسها في آخر القائمة. أول ما أقوله لها إن صحتك هي الأساس الذي تقوم عليه كل هذه الأدوار، ولا تستطيعين رعاية الآخرين إن أهملتِ نفسك.
عملياً، أنصح بموعد شهري ثابت للفحص الذاتي، ويُفضل بعد انتهاء الدورة الشهرية بأيام قليلة، وبالنسبة لمن انقطعت دورتها فليكن يوماً محدداً من كل شهر. تنظر المرأة في المرآة إلى شكل الثدي وحجمه ولون الجلد، ثم تلمسه بأطراف الأصابع بحركات دائرية بحثاً عن أي كتلة أو سماكة. وعليها أن تنتبه إلى انكماش الجلد أو احمراره، وتغير الحلمة أو انسحابها، وأي إفرازات غير معتادة، وتورم تحت الإبط.
ولا يغني الفحص الذاتي عن الفحص السريري عند الطبيبة ولا عن التصوير الشعاعي (الماموغرام) الدوري، ويُحدد توقيته بحسب العمر وتاريخ العائلة، وعلى كل امرأة أن تسأل طبيبتها عن الموعد المناسب لها. وأي تغير يستمر أكثر من أسبوعين يستحق المراجعة، من دون انتظار أن “يزول من تلقاء نفسه”.
س/ هل سبق أن قابلت امرأة اكتشفت إصابتها بالصدفة أو بسبب تغيير بسيط لم تكن تتوقع أن يكون مهماً؟ ما الدرس الذي يمكن أن نتعلمه من مثل هذه الحالات؟
ج/ نعم، وهذا أكثر شيوعاً مما نتصور. قابلت سيدات اكتشفن الأمر وهن يستحممن أو يرتدين ملابسهن. إحداهن لمست كتلة صغيرة لا تؤلم، وأخرى لاحظت تغيراً بسيطاً في شكل الحلمة، ولم تتخيل أي منهن أن الأمر خطير. لكنهن راجعن الطبيبة سريعاً، فاكتُشف المرض في مرحلة مبكرة وتماثلن للشفاء بفضل الله.
والدرس أن الجسد يرسل إشاراته، وعلينا أن نصغي. لا ننتظر الألم، فالسرطان في بدايته كثيراً ما يكون بلا ألم، ولا نستهين بأي تغيير مهما بدا صغيراً. وإذا تبين أن التغير حميد فقد كسبنا الاطمئنان، وإن لم يكن كذلك فقد كسبنا الوقت، وفي الحالتين المراجعة هي الرابحة.
س/ كيف يؤثر استئصال الثدي أو تغيير مظهره أثناء العلاج على نفسية المرأة وصورتها عن نفسها؟
ج/ الأثر النفسي عميق ولا يجوز التقليل منه. بعض النساء يشعرن بحزن حقيقي على جزء من أجسادهن، وبعضهن يشعرن بفقدان الأنوثة أو الثقة بالنفس، ويزيد على ذلك أحياناً تساقط الشعر بسبب العلاج الكيميائي والإرهاق الذي يرافق العلاج. هذه مشاعر طبيعية جداً وليست ضعفاً ولا قلة إيمان.
لذلك يجب أن يكون الدعم النفسي جزءاً أصيلاً من خطة العلاج وليس ترفاً، ويشمل الطبيبة والأخصائية النفسية والأسرة. وهناك خيارات للترميم وجراحة التجميل تعيد للمرأة جانباً من ثقتها بنفسها، ويمكن مناقشتها مع الجراح قبل العملية وليس بعدها فقط. كذلك فإن الحديث مع ناجيات مررن بالتجربة نفسها يمنحها طمأنينة لا يمنحها أي شرح طبي. وأحب أن أقول لكل امرأة في هذه المرحلة إن قيمتك ليست في جسدك، وإن قوتك وجمالك أكبر من أي ندبة، وإن الندبة قد تكون شهادة على معركة خضتِها وانتصرتِ فيها.
س/ هل تعتقدون أن الحديث عن الأمل وقصص النجاح يخفي الحقائق الصعبة؟ كيف توازن بين الأمل وتقديم الحقائق الصعبة؟
ج/ قصص النجاح ضرورية، فهي تكسر حاجز الخوف وتقول للمرأة إن الشفاء ممكن وإن الحياة تستمر بعد المرض. لكنني أتفق أن الاكتفاء بها وحدها قد يعطي صورة ناقصة، فقد يظن البعض أن الطريق سهل، أو أن المرض لا يقتل.
التوازن يكون بالصدق. نحكي قصة النجاح ونوضح بجانبها أن هذا النجاح جاء غالباً لأن المرأة اكتشفت المرض مبكراً والتزمت بالعلاج رغم صعوبته. ونقول بوضوح إن المرض قد يكون أخطر وأصعب إذا تأخر اكتشافه، وإن العلاج رحلة تحتاج صبراً ودعماً. فالأمل الحقيقي هو الأمل المبني على الحقيقة، ومن يعرف الحقيقة كاملة يتحرك ويفحص ولا يكتفي بالتمني.
س/ كيف تقيّمين حملات التوعية التي تُطلق؟ هل الحملات التي تكتفي بتقديم المعلومات تنجح فعلاً في تغيير سلوك النساء وتشجيعهن على الفحص المبكر؟
ج/ الحملات خطوة إيجابية ومهمة، وقد رفعت مستوى الوعي كثيراً في السنوات الأخيرة. لكن المعلومة وحدها لا تغيّر السلوك، فكثير من النساء يعرفن أهمية الفحص ولا يذهبن، لأن هناك عوائق حقيقية: الخوف، وكلفة الفحص، وبُعد المراكز الصحية، وضيق الوقت، وأحياناً الحرج الاجتماعي.
لكي تنجح الحملات علينا أن نوفر خدمات الفحص بسهولة وبتكلفة معقولة، وأن نصل إلى النساء في الأحياء والأرياف والمناطق البعيدة وليس في المدن الكبرى فقط، وأن نستخدم قصصاً حقيقية قريبة من الناس بلغتهم ولهجتهم، وأن نشرك الرجال والأسر والقيادات المجتمعية والدينية. فالحملة الناجحة في رأيي هي التي تنتهي بموعد فحص وليس بمجرد معلومة.
رسالة إلى كل امرأة تؤجل الفحص بسبب الخوف أو الانشغال أو التردد، ماذا انتي قائلة؟
ج/ عزيزتي، خوفكِ مفهوم وانشغالكِ مُقدّر، لكنكِ تستحقين أن تعتني بنفسك كما تعتنين بمن حولك. الفحص دقائق معدودة، وقد يحميكِ من سنوات من المعاناة. الاكتشاف المبكر أغلى هدية تقدمينها لنفسك ولأسرتك. لا تؤجلي، احجزي موعدك اليوم، وخذي معكِ من تحبين، وتذكري دائماً أنكِ لستِ وحدكِ في هذه الرحلة.
كلمة أخيرة:
اختتمت الدكتورة مها حديثها بأن التوعية مسؤولية مشتركة بين الدولة والإعلام والأسرة والمرأة نفسها، وأن “كل امرأة تفحص نفسها اليوم هي رسالة أمل لغيرها غداً”.
